محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
113
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال وهب بن منبّه ، رضي اللّه تعالى عنه : « قرأت في بعض الكتب : يا ابن آدم أطعني فيما أمرتك ، ولا تعلمني بما يصلحك إنّي عالم بخلقي إنما أكرم من أكرمني وأهن من هان عليه أمري ، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر عبدي في حقي » . متى رزقك الطاعة والغنى به عنها فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة . المطلوب من العبد شيئان : إقامة الأمر في الظاهر ، والتعلّق باللّه في الباطن وهو الاستغناء به عن غيره ؛ فإذا رزق اللّه تعالى العبد هذين الأمرين فقد أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، وأوصله إلى غاية الأمل في الدنيا والآخرة ، سبحانه جلّ وعلا ، وقال رضي اللّه تعالى عنه : خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك . إن كان لا بدّ من الطلب منه فاطلب ما هو طالبه منك ، من الاستقامة على سبيل العبودية له فذلك خير لك من طلبك لحظوظك ومراداتك ؛ لأنك حينئذ تكون به وله ، ويسعفك بمطلوبك عاجلا من غير تأخير . وأمّا إن طلبت منه حظّ نفسك ونيل مرادك فقد يحصل في ذلك تأخير ومنع ، مع ما يفوتك حينئذ من حسن الأدب في الطلب ، يحكى عن أبي الحسين الديلمي « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « وصف لي ب « أنطاكية » « 2 » إنسان أسود يتكلم على القلوب ، قال : فقصدته ، فلما رأيته رأيت معه شيئا من المباحات يريد أن يبيعه ، فساومته ، وقلت له : بكم تبيع هذا ؟ فنظر إليّ ثم قال : اقعد ، فإنك جائع منذ يومين حتى إذا بعنا هذا نعطيك من ثمنه شيئا . قال : فمضيت إلى غيره ، وتغافلت كأني لم أسمع ما قال ، وساومت غيره ما كان بين يديه ، ثم رجعت إليه وقلت له : بكم تبيع هذا ؟ فنظر إليّ وقال : اقعد ، فإنك جائع منذ يومين حتى إذا بعنا هذا نعطيك من ثمنه شيئا . قال : فوقع في قلبي منه هيبة ، فلما باع ذلك أعطاني شيئا ومضى ، قال : فمضيت خلفه لعلي أستفيد منه شيئا .
--> ( 1 ) ربما يكون مهيار بن مرزويه الديلمي ( انظر الأعلام 7 / 317 ) . ( 2 ) أنطاكيا : مدينة في تركيا بناها سلوقوس ( 300 ق . م ) ثم أصبحت ثالثة مدن الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية ، دمّرها الفرس 540 م ، وأجهزت عليها الزلازل في القرن السادس الميلادي فتحها العرب المسلمون 638 م واستعمرها الصليبيون 1098 ودخلها السلطان بيبرس 1268 م ثم الأتراك .